ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

235

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

أحدهما على الآخر وأطرافها حادة فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميه إلى طرف الأهداب وخلق الأهداب ليسكنها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب فاشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الأبصار . وأما البعوض فخلق له حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلمها كيفية التصقيل باليدين ولأجل إبصارها تراها تتهافت على السراج لأن بصرها ضعيف فتطلب ضوء النهار فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في ليل مظلم وأن السراج كوة ( 1 ) من الليل المظلم إلى الموضع المضئ فلا يزال يطلب الضوء ويرمى نفسه إليه فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على السداد فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمي في الإكباب على شهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذ يلوح للآدمي أبواب الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم القاتل فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك هلاكا مؤبدا فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد ومدة مديدة . ولذلك كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينادي ويقول إنكم تتهافتون على النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم ( 2 ) ، فهذه لمعة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى . ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيه غيره فانظر إلى النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليه حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن

--> ( 1 ) الكوة بفتح الكاف وضمها : الثقبة في الحائط والجمع كواء ويجمع بالألف والتاء أيضا . ( 2 ) آخذ بحجزكم أي أحميكم عن التهافت والحجز بضم الحاء معقد الإزار .